نذير حمدان
283
حكمة القرآن والحضارة
والعلوم اليقينية ، والمكالمة اللائقة بهؤلاء المجادلة التي تفيد الإفحام والإلزام ، وهذان القسمان هما الطرفان . فالأول : هو طرف الكمال ، والثاني : طرف النقصان وأما القسم الثالث : فهو الواسطة ، وهم الذين ما بلغوا في الكمال إلى حدّ الحكماء المحققين ، وفي النقصان إلى درجة الاستعداد لفهم الدلائل اليقينية والمعارف الحكمية ، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلّا بالموعظة الحسنة ، وأدناها المجادلة . وأعلى مراتب الخلائق الحكماء المحققون ، وأوسطهم عامة الخلق ، وهم أرباب السلامة وفيهم الكثرة والغلبة ، وأدنى المراتب الذين جبلوا على طبيعة المنازعة والمخاصمة . . . ومن لطائف هذه الآية أنه قال ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ فقصر الدعوة على ذكر هذين القسمين لأن الدعوة إن كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة ، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة ، أما الجدل فليس من باب الدعوة ، فالمقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو الإلزام والإفحام ، فلهذا لم يقل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال الأحسن ، بل قطع الجدل عن باب الدعوة تنبيها على أنه لا يحصل بالدعوة ، وإنما الغرض منه شيء آخر . . . . إن اهتمام العلماء بحكمة الأسلوب يستوعب معان جلّى : فهو يوظف معارفهم المتعمقة في التبليغ ، ويحثّهم دوما على إرادة الإصلاح والتغيير بأفضل الطرق ، ويدفعهم إلى الدفاع عن الشريعة والرد على مناوئيها وردّ الأباطيل عنها إلى جانب البناء الإنساني الأفضل متفيئين ظلال آية الدعوة التي ترسم منهجا حكيما متسقا مع حكمة القرآن العامة للإفادة من أدبها وتوجيهها في بناء حضارة القرآن ، وما دامت مواصفات الدعوة عامة فإن الإفادة من التقانة الحديثة لها واستخدام وسائلها الجذابة من مسؤوليات الدعاة . فإن تقريب المبادئ وتزيين القيم بأحدثها وأحكمها من أجلّ الأعمال التي يمكن أن تبعد الشباب عن الملهيات المغرية وتحبب إليهم فضائل الحق والخير ومثل الإسلام ، فإن هذه الوسائل ذات أهمية بالغة في مستجدات العصر ومغرياته .